حين يتعب الحماس… يبدأ الالتزام
كيف تستمر عندما تختفي حماسة البداية ؟
مرّ شهر تقريباً على بداية العام… وهدأت حماسة البداية لدى كثيرٍ منا ، لكن اليوم عُدت لأكمل ما بدأته في مقالي السابق و معي سؤال في جعبتي : هل بدأتم باتخاذ الخطوات و القيام باللازم لتحقيق الاهداف التي وضعتموها بداية العام ؟
في هذا المقال سنستكمل ما بدأناه من تحويل الاهداف لعادات و نتعمق في الجزء الاهم و هو الالتزام الحقيقي و الذي يعد الأصعب …
عندما بدأنا بتحديد الأهداف اعتقد ان الأغلب لم يلتزم سوا لأول اسبوع او أسبوعين ، و مَن التزم لنهاية الشهر اهنئك على قوة الإرادة ، و اليوم يهمني أن اتعمق معكم في مشكلة الإلتزام و الإستمرار لنكمل ما بدأناه ..
فلنناقش أولاّ السبب الذي يجعلنا نعاني من صعوبة التمسك بأهدافنا و عاداتنا، السبب الذي لطالما قيدنا للوصول و أصعب مهامنا ..ألا و هو التسويف
فالتسويف يعتبر من أكثر المصطلحات تداولاً في زمننا و يظهر بعد وضع الاهداف و الخطط خاصة عند نية البدء ويكون غالبًا بسبب خوفنا الدائم من البدايات المجهولة فننخرط خلف الكسل و الخوف و نبدأ بقول الكذبة العالمية و هي “سأبدأ غداً” معتقداً بأنك ستبدأ غداً فعلا و لكن غداً في هذا القاموس يعبر عن أسابيع ، أشهر و قد تصل لسنين ..
فما الحل للتسويف ؟
أولاً : كتابة العادات بالطريقة الصحيحة :
و هنا لا اعني بوضع ورقة تحمل جميع مهام اليوم أو ما نسميه بال To Do list ، فهي طريقة غير محددة و هي للأسف تجعلنا نؤجل المهمة لأننا ببساطة نعتقد أن اليوم طويل و الوقت لا ينفذ و ينتهي اليوم و أنت لم تمس الورقة حتى أو انك اكتفيت بتحقيق ربع الأهداف التي تعلوها .
ولكن لطالما اعتدنا على هذه الطريقة و لطالما مارسناها فهل هي فعلاً خاطئة !؟بالطبع لا و لكن هذه الطريقة كانت تجدي نفعاً حين كان الهاتف لا يمثل جزءاً كبيراً من حياتنا ..حين لم نكن مدمنين لوسائل التواصل .. فهي تعتبر أكبر سبب تسويف و مشكلة لم نستطع حلها و للأسف لا نزال نغرق فيها أكثر و أكثر..
فما البديل إذاً ؟؟
يكمن البديل في وضع العادات و المهام على صورة جدول زمني أو ما يسمى بال Time Boxing ، و بهذه الطريقة سنقوم بتفصيل يومنا ووضع كل مهمة في ساعة مخصصة لها ، ستحول كتابة أهدافك من قائمة غير محددة لجدول زمني محدد ، فعند تقيدك بوقت معين سيسهل الأمر ؛ لأنك لن تفكر كثيراً في وقت البدء و ستحدد هذه المدة الخاصة للمهمة ، و تكمن الفائدة من هذه الطريقة في عدم تأجيل المهام
فمثلاً لنقل ان عليك القيام بتمرين ، حدد مثلاً من الساعة الخامسة للسادسة ساعة تمرين … و هكذا مع كل مهمة
و هذه الطريقة تم ذكرها بشكل غير مباشر في كتاب “بداية الهداية “ للإمام الغزالي
فقد ورد في كتابه:
“ لا ينبغي أن تكون أوقاتك مهملة فتشتغل في كل وقت بما اتفق كيف اتفق . بل ينبغي ان تحاسب نفسك و ترتب أورادك في ليلك و نهارك و تُعيّن لكل وقت شغلاً لا تتعداه و لا تؤثِر فيه سواه ، فبذلك تظهر بركة الأوقات “
و هنا نجد في قوله “تُعيّن لكل وقت شغلاً لا تتعداه و لا تؤثِر فيه سواه “ نصيحةً عظيمة في ظهور البركة : “فبذلك تظهر بركة الأوقات “، و بذلك تستثمر وقتك فيما ينفعك .
ثانياً : كلما شعرت بثقل المهمة قلل وقتها :
ففي كل مره تبدأ مهمة جديدة ستجد فيها صعوبة بالغة متعلقة فقط بالبدء ؛ فدائماً ما تكون البدايات هي الأصعب و حينها قلل وقت مهمتك حتى تعتاد عليها ؛ فمثلاً إن كان هدفك إكمال دورة تعليمية كاملة في مجالٍ معين ووجدت صعوبة في الالتزام بها بحجة أن الدورة طويلة جداً توقف هنا وقلل وقت المهمة فإن عيّنت لها ساعة قلل لتصل لنصف ساعة و أبدأ باتمامها .
و قد تظن أن النصف ساعة قليلة ٌجداً و لكن تذكر قوله صلى الله عليه و سلم “ قليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع “
و تأكد بأنك حين تعتاد على المهمة ستجد نفسك تدريجياً تستسهلّها و توفر لها وقتاً أكبر خلال يومك دون أن تشعر.
و إن وجدت أن نصف ساعة كذلك مرهقة و متعبة فإتبع القاعدة التي انتشرت في العام السابق و التي أُطلق عليها إسم قاعدة ال 100 ساعة
و تسير القاعدة كالتالي : 18 دقيقة كل يوم خلال سنة ؛ فهذه الطريقة ستمكنك من إتقان أي مهارة وتعتبر طريقة مساعدة خاصة إن لم تملك الوقت الكافي .
و بعد أن حاولنا علاج المشكلة أرغب بتذكيرك عزيزي القارئ بأننا بشر ، نحن لا نسير على خط مستقيم واحد ، تتغير أفعالنا بشكل مستمر ، قد نلتزم لفترة طويلة ثم نقطع الالتزام و هو أمر طبيعي جداً جميعنا نصل لأوقات نتوقف خلالها عن فعل عادة معينة و لظروف مختلفة لكن عندما تتوقف لا تجعل التوقف دائم ، عد غداً و حاول مجدداً أن تلتزم قبل أن ينقطع الخيط بالكامل ، و لا تنتظر دائماً نقطة البداية كي تبدأ ، لا تنتظر سنة جديدة أو شهر جديد و لا حتى يوم الأحد من كل أسبوع ، حينما تكون مستعداً ابدأ فقط لمجرد البدء و اكسر حاجز الخوف و الكسل
و لكل شخص لم يلتزم الشهر الأول من العام أحب أن أخبركم اصدقائي بأنني كذلك.. لم التزم و لم أدون أي هدف للعام الجديد ، كنت فقط بحاجة للهدوء و الاسترخاء و بدأت في وضع اهدافي في الأسبوع الثاني من الشهر ، وضعت لنفسي نقطة البداية خاصتي و رتبت افكاري ، ففي النهاية من سيحقق و ينال هو أنا كشخص ، لا يجب أن تبدأ مع القوم كي تشعر بأنك معهم على نفس الوتيرة ، ابدأ حين تجد نفسك مستعداً ، و تذكر أن جميع النصائح التي ستقرأها سواء في مقالي أو في اي منصة أخرى لن تفلح معك إن لم تكن لديك قوة الإرادة ، اجبر نفسك و لا تتركها تضيع في بحر التسويف ..
و في الختام ما التعديل البسيط الذي ستبدأ به بعد قراءة المقال ؟
