الطموح والرضا… جناحان لا يطير الإنسان بدونهما
رحلة البحث عن التوازن بين السعي والسكينة
في زمنٍ يركض بلا توقف، يظل السؤال قائمًا: هل يمكن أن يجتمع الطموح مع الرضا؟
موظف يطمح أن يصل لمنصب أعلى ، طالب جامعي يحاول ان يرفع معدله ، شخص يحاول ان يصبح مثالي في جميع جوانب الحياة ، كلها طموح تختلف من شخص للآخر ، جميعنا نسعى لمنصب أفضل ، مكانة اعلى ، و لمعرفة أكثر ، لكن هل هذا يعني اننا غير راضيين عن مكاننا الحالي ، و ان الطموح تخالف الرضا ؟
حقيقةً … الطموح و الرضا كلاهما مهمان للإنسان ، فمن رضي فقط لن يستطيع ان يتقدم بفكره أو ان يتطور ، سيركد و لن يتسائل “ماذا بعد ؟ “، و من يطمح فقط سيغوص في رحلة تحول حياته إلى تحدي و لهاث غير منتهي ينهك جسده و روحه .
الطموح هو أن تدفع نفسك للتقدم ، و الرضا هو الأرض الصلبة التي نقف عليها و نحن مطمئنين و حين نوازن بينهما ستصل لأهدافك و تسعد بحياتك و ترضى بما تملك .
و هنا نصل للب الموضوع و الأساس :
كيف أوازن بين كلاهما ، في زمن يركض بلا توقف ؟
أولاً لنحلل الطموح بشكل اعمق ، ما معنى ان تكون طموحاً و متى ستكون الطموح منهكة للروح ؟
طبيعة الانسان في كونه يطمح دائماً للأفضل ، وأن يسعى و يحاول ليصل لأهدافه … لا لاهدافٍ وضعها له الآخرون .
فهنا نجد الفارق ، انت تسعى لتحقيق هدفك انت ، لهدفٍ تشعر بانك خُلقت لتحقيقه و لديك الدافع و القوة لتصل له .. لا لاهداف وضعها لك الآخرون او اهداف أردت تحقيقها لمجرد تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي و التفاخر بها ، هكذا ستصبح خاضعاً للآخرين و أرائهم ، خاضعاً لمقارنتهم ، كما انك تُوقع نفسك في وهم السعي للوصول لهدف انت بذاتك لست راضياً عنه ، هدف تريد تحقيقه لمجرد ان تصبح ناجحاً في نظرهم .
تذكر دائماً ان تسعى لتحقيق اهداف تهمك لا تهم الآخرين ، و ان سعيك لهدفك قد يوصلك لاحقاً لما تسعى له من إعجاب وتقدير من الآخرين ، و هو امر طبيعي بفطرتنا كبشر ، الإنسان بطبيعته يبحث عن الشهره فلا تخجل من ذلك و لا تحاول ان تقنع نفسك بعكس ذلك ، و تذكر طالما انك تسعى لهدف ترى بانك ستنجح فيه و تبدع فيه ، ستتميز فيه اكثر من الهدف الذي أراده الاخرين .
و بعد انتهائنا من النقطة الأولى نصل للمرحلة التي قد تسبب لك ركوداً إن لم تتعامل معها جيداً … الرضا ،
فالرضا هو أن تقتنع بما لديك و أن تشكر الله تعالى على النعم التي تحيط بك .
قال تعالى: “﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾” [القمر: 35]
فإن شكرت الله تعالى على نعمة منصبك فسيجزيك الله تعالى و يسهل طريق وصولك لطموحك و هدفك ، فأنت عندما ترضى بما كتبه الله لك لا يعني ذلك بأنك استسلمت و اكتفيت ، بل انت ستبقى مستمراً للسعي مستمتعاً برحلتك و مقدراً للنعمة.
الرضا كذلك لا يعني أن تبرر كسلك بجملة “انا راض” الرضا ليس بأن تأسرنفسك و تكون ضحية لكسلك ، فانت دائماً بحاجة لأن تحلم و تطمح .. فما الإنسان بلا احلام و طموحات ؟
لو رضي الانسان بمنصبه و لم يواصل لن تجد قصص ملهمة كقصة مؤسس كنتاكي كولونيل ساندرز الذي بدأ مشروعه بعد الستين من عمره
أو قصة كقصة المتزلجة إيمي بودري التي تغلبت على الإعاقة ، وسعت و حولت ألمها لهدف ان تصبح متزلجة بارالمبية كما انها فازت بميداليات عديدة رغم ساقها المبتورة .
أو قصة سام والتون الذي بدأ في سن 44 بتأسيس أول متجر “وول مارت “.
و هنالك قصص عديده في عالمنا تثبت لك أن الطموح و الاحلام مهمة و لا تتوقف عند سن معين .
الطموح و الرضا في القرآن
الطموح و الرضا كالجناح الذي يطير به الإنسان ليتوصل لحياة متوازنة ،سعيدة و مستقرة.
فقد تعددت الآيات التي ورد فيها الرضا
قال تعالى {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى”} [الضحى: 5].
فالآية تحثك على أن ترضى بما اعطاه الله لك و كذلك سوف يعطيك اكثر عندما ترضى ..
و قوله عز وجل : {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
و هنا تدعوك الآية للتغيير ، لعدم التوقف عند نقطة معينه بس الاستمرار في السعي للتغيير للأفضل .
إذن، ليس المطلوب أن نختار بينهما، بل أن نعيش بين كلاهما : نطمح للمزيد من العلم والعمل، ونرضى بما بين أيدينا اليوم ونشكر الله عليه.
الطموح و الرضا من نظر العلم
اثبت لنا العلم بدراسات و نظريات اهمية الموازنة بين الطموح و الرضا ..
و من النظريات التي توضح لنا اهمية كلاهما ، نظرية التوازن الديناميكي (Dynamic balance ) التي أوضحت لنا الفرق بين الانجاز و المعنى( و المعنى هنا هو الرضا) ، فقد ورد ان الإنسان لا يستطيع ان يعيش على الانجازات فقط ، فهي تجعله في ركض مستمر دون توقف و في الوقت ذاته هو لا يحيى على المعنى فقط ، فالمعنى يجعل الشخص يستسلم و لا يسعى لأهدافه .
فالحياة الصحية تكمن عندما يجمع الانسان بين الإنجاز و المعنى .
فالإنجاز يشعرك بانك قادر على تحقيق أمور ملموسة تصنع الفرق في حياتك .
والمعنى يشعرك بأن لحياتك قيمة و انها ليست مجرد ماكينة للإنجازات.
فهما كما ذكرنا سابقاً هما جناحان، فالطائر لا يحلق بجناح واحد ، هو بحاجة لكلتا الجناحين ليعلو و يصعد.
و اتضح كذلك وجود دراسات عديدة عن اهمية الامتنان ، فقد اثبتت الأبحاث للباحثين ( Robert Emmons و Martin Seligman) ان الامتنان يشعر الانسان بالسعادة و الراحة و الرضا بحياته ، و الامتنان في ديننا الاسلام هو الشكر ، و نحن نمارسه بشكل يومي عندما نحمد الله تعالى على النعم المتعددة التي لن نستطيع احصائها ، فالحمدلله على جميع النعم التي لا تعد و لا تحصى .
و كذلك اثبتت الدراسة ذاتها ان الامتنان لا يجعل الانسان كسولاً بل يشحنه بالطاقة للسعي و الاستمرار ، فعندما تحمد الله على نعمة لديك و توقن بأن هناك اشخاصاً محرومون من هذه النعمه : كنعمة التعلم و الوظيفة ، تدرك بأنك بحاجة لان تكمل السعي في مجالك ، و كأنك تضع نفسك في مكان الساعين لهذه النعم و ترى كم هذه النعمة عظيمة و تستحق أن تسعى للنجاح والعلو فيها ..
إذن، الموازنة بين الطموح والرضا ليست معادلة مستحيلة، بل هي رحلة وعي نعيشها كل يوم.
فاسعى، واجتهد، واشكر، دون أن تسمح للطموح أن تسرق لحظة الامتنان و الشكر لله على النعم التي تحيط بك ، ولا ان تسمح للرضا بأن يوقف خطواتك نحو الإبداع و التميز ٠
و اعلم بأنك عزيزي القارىء تغرق في سباق الحياة ، حتى تصل لنقطة من التشوش … تشوش من كثرة الأهداف التي تركض خلفها و كأن كل هدف تحققه سيوصلك للرضا و القبول الذي تطمح له .. لكن نحن البشر كائنات لا نكتفي عند نقطة معينة ، نريد دائماً المزيد و نسعى لنجاحات و انجازات اكثر حتى نصل لمرحلة ننسى أن نلتقط فيها أنفاسنا وننظر حولنا كم قطعنا من مسافة.
الطموح جميل، لكنه يفقد معناه إن لم نتذوق متعة الرحلة ، لطالما نسى الإنسان في سعيه أهمية الاستمتاع بالرحلة ، نركز دائماً على الهدف و ننسى الخطوات التي ستوصلنا اليه ، هذه الخطوات ستكون ذكرى قد تجعل قصة هدفك أجمل و أمتع أو أبشع و اكثر إرهاقا ً ٠٠ فتذكر دائماً ان الرحلة هي الأساس ، فإن لم تكن الرحلة ممتعة ، هل حقًا يستحق الهدف كل هذا الركض و انت مرهق و متعب من رحلتك ؟
و تذكرالرحلة هي ما سيتبقى لك بعد النجاح فابتسم و لا تتأفأف ولا تستصعب الرحلة ، كل أمور الحياة في بدايتها تكون صعبة لكن مع كل خطوة متوازنه ستجد ان الرحلة أصبحت اسهل .
و تذكر ..ليس كل نجاح يُقاس بالوصول، لن احاول ان أخذلك و لكن قد تسعى لهدف و لا تستطع ان تحققه ،هنا تكمن اهمية الاستمتاع بالرحلة ، فإن لم تصل لهدفك ستنظر لكل الدروس و الاحداث التي حصلت لك في طريقك ، ستتعلم منها و قد تعود بعدها للسعي مره اخرى ، او ستتوقف و تبحث عن هدف آخر يشبهك اكثر .
و بالختام تذكر ان الطموح يفتح لنا أبواب الغد، والرضا يزين حاضرنا، وبينهما نكتب قصتنا التي تجمع بين السعي والشكر.
توقّف قليلًا، وفكّر… هل أنت حقًا مستمتع برحلتك؟ أم أنك تسعى فقط للوصول إلى هدفك، ظنًا منك أن المتعة تنتظرك هناك؟

مقال في وقته و جميل اوي اشكرك 💘