الهوية في عالم لا يتوقف
حين نحاول ان نفهم من نكون
كم منّا تساءل عمّا يجذبه فعلًا؟ عمّا يُسعده أو يشعره بالانتماء؟ و عما يمثل أفكاره و قيمه ؟ نكتشف أحيانًا أننا ننجذب لأمور متناقضة، لا رابط بينها، فنقف أمام سؤالٍ مربك : من أنا ؟ هل أنا ضائعة في متاهة البحث عن ذاتي؟
تُطاردني هذه الأسئلة بين الحين والآخر، وأجد نفسي في كل مرة أميل إلى شيء جديد لا يمتّ لما قبله بصلة.
هنا في هذا المقال سنحاول أن نسلط الضوء على هذه الاسئلة و نركز على التعرف على هويتنا ، ما نميل له من القيم ، الإهتمامات و الأفكار ..
وقبل ان نبدأ يجب أن نتعرف أولاً على المعنى وراء الهوية
تأتي الهوية بمعاني كثيرة : قد تكون هوية بصرية أو شخصية أو قد تتمثل في الهوية الوطنية..
لكن اليوم نتعمق في الهوية التي تمثل شخصيتك انت التي تحوي اهتماماتك ، قيمك، و مبادئك التي تكوّن معرفتك عن نفسك و معرفة الآخرين كذلك..
و هنالك محاور أساسية في الهوية الشخصية و هي :
الهوايات و الإهتمامات .
القيم .
المبادئ
السلوكيات .
لكن قبل أن نبدأ ، لنتعمق في حياتنا و ما حولنا ..
أكثرنا إن لم نكن جميعُنا نجد أنفُسنا متأثرين بما نتابعه و بالطبع بالأشخاص حولنا ، فهل فعلاً تتأثرهويتنا بما يحيط بينا ، خاصة بوسائل التواصل ؟
في هذه المراجعة تكمن الإجابة … مراجعة : A Systematic Review of Social Media Use and .Adolescent Identity Development
للباحثين : Hamide Avci، Laura ، و Tina Kretschmer
أشارت إلى أن الإستخدام المكثّف لوسائل التواصل يمكن أن يقلّل وضوح مفهوم «من أنا؟» لدى المراهقين، ويزيد من شعور التشوّش في الهوية.
و كان الهدف من هذه المراجعة جمع مئات من الدراسات حول موضوع الهوية و تأثرها بسبب وسائل التواصل.
و عند حديثنا عن المحاور سنجد أن اغلبها تتأثر بهذا الجانب ، فكل من نتأثر به من صانعين محتوى يحملون أفكاراً عديدة قد تكون بطريقة ما شكلّت شخصياتنا دون وعي …
و الآن سنتطرق للمحاور لنفهم الفرق بينها و نتعمق فيها لنفهم الهوية التي تمثلنا و الصورة الحقيقية لذواتنا.
أولاً الهوايات و الاهتمامات :
الكثير منا يضن ان الهوية تمثل الهوايات فقط و لكن هذا المحور يمثل جزء بسيط جداً ، و تختلف الاهتمامات باختلاف الزمن ، فقد تجد نفسك تهوى القراءة ، السباحة ، الرسم و غيرها في آن واحد أو حتى تتنقل بينها ، و كذلك تؤثر وسائل التواصل بشكل كبير على هذا الجانب ، فمن منا لم يجرب هواية لأنه شاهد الكثير من المؤثرين يتقنونها ؟!
لكن السؤال الحقيقي هنا : كيف نتعرف على اهتماماتنا في زمنٍ تؤثربه علينا وسائل التواصل ؟
واقعياً .. يصعب علينا أحيانًا معرفة ما يستهوينا ، فنحن نركض خلف الترندات دون وعي، وكأننا نبحث عن قطعة مفقودة منّا. نجرّب كل جديد، لا لأننا نحبه بالضرورة، بل لأننا نأمل أن نكتشف من خلاله ما نحبّ.
و هو أمر طبيعي جداً فلا تستغرب إن اختلفت اهتماماتك مع تغير مراحلك العمرية و مع اختلاف ما هو متداول ؛ فتوضّح نظرية “مرحلة البلوغ الناشئ” أن تغيّر الاهتمامات ليس دليلًا على فقدان الهوية، بل مرحلة طبيعية من استكشافها. إلا أن تسارع العالم اليوم، وكثرة الترندات، قد تجعل هذا الاستكشاف متسرّعًا ومربكًا، فيتحوّل من رحلة فهم إلى سباق تجربة.
لذلك جرب وتأنَّ بالتجربة ؛ فالتجربة أحيانًا تكشف لنا جوانب جديدة من أنفسنا ، وتذكر ان تجرب بوعي و ضمن ما يناسب مبادئك ، ويجب ان تدرك أن هدفك ليس التماهي مع الآخرين، بل أن تجد ذاتك و أن تلاحظ ما يشعرك بالراحة و السعادة ؛فالهوايات توّلد داخلك شعور بالراحة و كأنها تأتي لتفرغ أفكارك و تقطعك عن العالم لبعض الوقت لتوصلك أخيراً للهدوء ، و إن وجدت هذه المواصفات في أي هواية جربتها مسبقاً فأعلم أنها هي هوايتك التي تريحك .
ثانيًا: القيم
وهنا نقف عند أحد أهم جوانب الهوية.
تأتي هذه الكلمة من معناها ( قيمة ) و هي تمثل كل ما هو قيم في حياتك ، و قد يعتمد معيار اختيار قيمك على التربية ، والتجارب و حتى ما تسعى للوصول إليه ..
القيم تختلف من شخص لأخر؛ فالقيم تُبنى من الداخل، فهي كل ما نؤمن بأهميته، وكل ما نعتبره معيارًا لما هو “صحيح” أو “مهم” في حياتنا.
وباختلاف تجاربنا، توجد قيم مشتركة بيننا وهي القيم الدينية والوطنية والإنسانية، فهي غالبًا من الأولويات التي لا تتغيّر، لأنها متجذّرة في تربيتنا، وفي ما عشناه وتأثّرنا به عبر السنوات.
والقيم لا تُقاس بالإعجاب أو بالانتشار، بل بالشعور الداخلي بالاتساق.
فعندما تتصرّف بما يمثّل قيمك الحقيقية، تشعر بالرضا عن ذاتك، حتى لو لم يصفّق لك أحد، وحتى لو لم يكن اختيارك هو الأسهل .
و لنؤكد فهمنا للقيم من خلال هذا المثال : قد تكون إحدى قيمك أن العِلم أهم من المال، لأنك رأيت في محيطك تجارب أكّدت لك أن المال ليس كل شيء، وأن المعرفة تفتح آفاقًا أعمق ، و يوجد أشخاص على العكس يرون ان المال هو الاهم ، فكما ذكرنا سابقاً المعيار يختلف من شخص لأخر .
و اخيرا ننتقل للمحور الثالث و هو المبادئ :
المبادئ تمثل الجزء الذي لا يختلف باختلاف الوقت مقارنةً بالاهتمامات و القيم و يعد امر ثابت غير قابل للتغيير مثل مبدأ التوحيد لدى المسلمين ، فهو خط احمر لا يمكن تجاوزه ..
و من المبادئ كذلك لدينا هي:
الحلال و الحرام .
العدل .
عدم الظلم .
الصدق .
الوفاء بالعهود
و لوجود لبس في تحديد الفرق بين القيم و المبادئ فسأختصر الفرق في كون القيم مهمة للإنسان و يمكن أن يختلف ترتيبها من شخص لاخر او تختلف باختلاف الزمن و التجارب فمثلاً قد يحمل الإنسان قيمة العلم و العائلة ولكن يجد ان العائلة هي الأولوية و قد يجد شخصاً آخر ان العلم هو الأولويه
بينما المبادىء فهي لا تتغير أبدا و تعتبر كحد و خط احمر؛ كمثال مبدأ التحريم و التحليل ، فلا يجوز لنا أن نحرم ما أحل الله و العكس صحيح
و الدليل في قوله تعالى :{قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [سورة يونس: 59].
و نصل لاخر محطة و هي محور السلوكيات :
السلوكيات هي ترجمة لقيمك و مبادئك ، هي ما تقوم به بشكل متكرر من تصرفات تمثل بعض من قيمك
فمثلا : مبدأ الصدق فستطبقه بتجنب الكذب ، او انك ترى عائلتك قيمة مهمة بحياتك فسوف تستمع لآرائهم و تصنع معهم لحظات و ذكريات و حتى تحاول إسعادهم .
و هنا ندرك ان الهوية مزيج ضخم يحمل اهتمامات ، قيم ، مبادئ و حتى سلوكيات و بمجرد ادراك انك مجموعه من هذه المحاور ستدرك معنى شخصيتك فكثيرٌ منا قد يقول ( أنا لا أملك شخصية ) لكن واقعياً جميعاً نحمل شخصيات مختلفة لا تترتب فقط في ما تحب القيام به او ما تحاول تجربته ، انت تتمثل كذلك في قيمك و مبادئك ، تتمثل في علاقاتك و عملك و ما يحيط بك ، انت لا تتوقف على هواية ، و لا على فكرة ، انت مزيج عظيم من عقل يحمل سلوكيات تطبقها دون وعي و قلب يحرص على ايجاد ما يريحه .
قد تكون تعرضت للتشتت قليلاً خلال قراءتك للمقال و لكن رسالتي لك انه لا يوجد تعريف موحد لنا كبشر عن هويتنا ، كلٌ منا يمتاز بسلوك مختلف و بصمة مميزة ، ستجد نفسك في اصغر التفاصيل ، في طريقة تفكيرك و في تعاملك و حتى في ردودك ، و كلٌ منا مميز بطبعه ، لا يجب ان تواكب الترند لتكون أفضل في نظر الناس ، لا يجب ان تحب هواية معينة او تحمل مبدأ معين لمجرد ان تكون مع القطيع ، انت مميز بما انت عليه .
وخلال بحثي عن معنى الهوية اكتشفت أن مشكلتنا كبشر ليست في فهم المعنى ؛ بل في تضخيمه ، فأنت لست بحاجة لان تحمل داخلك انجازات كثيره و اهتمامات متعدده لتكون صاحب هوية و شخصية ، انت تحتاج فقط ان تفهم و تحلل ما انت عليه من ابسط المواقف في حياتك .
ففي كل مره تجد نفسك غاضباً من موقف تعمق و افهم غضبك ، سترى مبدأ تنتمي اليه ..
و في كل مره تساعد شخصاً توقف ولاحظ القيمة داخلك .
و الاهم مع كل شخص تجد معه الراحة و السعاده سترى بصمة منك داخله و سترى مبادئ و سلوكيات مشتركة بين كلاكما ..
وحتى في كل هواية تجرّبها و ترتاح بها اعلم انها تلائمك حتى لو لم تكن تلائم من حولك ، و لا تنسى نحن في رحلة طويلة تتقلب فيها افكارنا و اهتماماتنا، لن نفقد انفسنا بل سنتطور مع كل موقف نعيشه ، فتراكم المواقف و الأفكار و الحوادث هي ما تبنينا فعلاً و تطورنا و توصلنا لفهم ذواتنا.
و في الختام ، ربما السؤال الأهم ليس: من أنا؟
بل: هل أعيش اليوم بما يشبهني فعلًا… أم بما أتصنعه لأرضي من حولي؟

المقال جميل جدا ، سلمت أناملك ، المقال كأنه كتب لي 🙂
حبييت